نزّل البرد ومرج البحرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , وبعد
يقول الله تعالى في سورة النور (( ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله , وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء , يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)) .
ولقد ذهب المفسرون القدماء إلى أن هناك جبالاً في السماء مكونة من البرد , والبعض منهم قال أن تلك الجبال فيها برد معتبرا كلمة ((من)) الثانية زائدة . وفي واقع الأمر لا يمكن قبول هذا الرأي الأخير الذي يقول أن كلمة ((من)) زائدة .
فالقرآن الكريم قد أنزل بلهجة أهل الحجاز, ولكن على أرقى مستوى في الدلالة والتعبير تسمح به اللغة العربية ولهجة أهل الحجاز بالتحديد , ولم يكن مضطراَ لإيراد كلمة زائدة قد تضلل القارئ أو السامع . هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى فقد تمكن العلماء في القرن العشرين من إرسال مناطيد وطائرات إلى الغيوم أثناء هطولات المطر والبرد والثلج ودرسوا هذه الظواهر بعناية ودقة صارمتين , ولم يجدوا مطلقا جبالاً في السماء مكونة من البرد أو يهطل منها البرد. بل تبين لهم أن قطرات المطر الهاطلة قد تدفعها رياح قوية إلى أعالي الغيوم من جديد حيث تتجمد بسبب البرد الشديد في تلك المواقع ثم تهبط إلى الأرض على شكل كريات من البرد . وقد تتكرر هذه العملية عدة مرات , مما يؤدي إلى كبر حجم كريات البرد التي تمتص أثناء صعودها داخل الغيوم في كل مرة شيئاً من الرطوبة الإضافية , مما يزيد في حجمها إلى أن يصل وزنها إلى درجة تعجز فيها الرياح عن حملها إلى أعلى من جديد فتسقط على الأرض .
ومن هنا فقد ذهب المفسرون المعاصرون إلى أن المقصود بالجبال هو الغيوم ذاتها التي ترى كالجبال الشاهقة من الطائرة التي تطير فوقها. ولكن هذا التفسير تقدح فيه الملاحظات التالية :
1- لو سلمنا بأن الجبال المقصودة هي الغيوم ذاتها, فإن الغيوم ليست مكونة من البرد ولا تحتوي على البرد بل هي مجرد بخار ماء كالضباب الذي هو عبارة عن غيم يلامس الأرض . ويتشكل فيها البرد أو الثلج أو المطر, ولا يستقر فيها مطلقا , بل يسقط منها خلال ثوان معدودة من تكونه . وكذلك فإن هذا الرأي يوقعنا من جديد في مشكلة ((من)) الزائدة.
2- إن منظر الغيوم من الطائرة التي تطير فوقها لا يشبه منظر الجبال, بل يشابه منظر حقول الجليد , حيث أنها تلتمع ببريق أبيض حاد تحت ضوء الشمس . بل إن الجبال الأرضية ذاتها لا تبدو من الطائرة كجبال شامخة شاهقة في عنان السماء , بل تبدو كطيات وتموجات خفيفة فوق الأرض لا تلفت النظر.
3- إن القرآن لا يستعمل التشبيه البليغ في وصفه للظواهر الكونية الموجودة في عالمنا هذا (كقولك : فلان ثعلب) بل يستعمل التشبيه باستعمال كاف التشبيه ( كقولك : فلان كالثعلب) أو يستعمل كلمة كأن أو يستعمل التمثيل (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كسراب بقيعة) وذلك منعا للالتباس والفهم المغلوط لدى القارئ , إلا في حالات قليلة لا يمكن وقوع الالتباس فيها , كقوله : صمٌ بكمٌ عميٌ . وليست هذه الآية , أي آية الودق والبرد , من المتشابهات الباقية كذلك إلى يوم القيامة. ومن هنا يستبعد أن يقول عن الغيوم أنها جبال بصورة مباشرة بل بالأحرى كان سيقول أنها كالجبال . ومن لديه شك في ذلك , يمكنه أن يراجع القرآن الكريم بكامله .
ومن ناحية أخرى لم ينتبه المفسرون( الأقدمون منهم والمعاصرون , على حد سواء) إلى تتمة الآية التي تلقي أضواء إضافية على تفسيرها . وعدم الانتباه هذا يعود إلى عادة الاستسهال التي دأب عليها جميع المفسرين على امتداد التاريخ الإسلامي برمته . ومن هنا فقد شعرنا بضرورة وأهمية وواجب التدقيق في هذه الآية الكريمة ,
والتي يمكن تسجيل الملاحظات التالية حولها :
1- إن هذه الآية الكريمة قد وردت في سورة النور . وإن أهم أسباب النزول لسورة النور , كما هو معلوم , هو حادثة الإفك . وهي التي تولى كبرها بعض المنافقين في المدينة , بعد أن عجزوا عن مقارعة رسالة الإسلام بالحجة والبرهان فأرادوا النيل منها بالنيل من الرسول ذاته . وهي عادة المكابرين , الفاقدي الحجة , في جميع العصور. فروجوا تلك الفرية بحق زوج الرسول (ص) زوراً وبهتاناً . ولو ألقينا نظرة سريعة على سورة النور سنجد أنها تعلم المسلمين درسا بليغا في التعاطي مع الأفكار والأخبار , حيث يجب على المسلم ألا يعتمد على الظن الذي لا يغني من الحق شيئا بل على اليقين . فلقد روج بعض المسلمين خبر تلك الفرية عن حسن نية بسبب جهلهم بمقاصد هذا الدين وبتعاليمه. ومن هنا فإن السورة بكاملها تقريبا تضع المتضادات بعضها مقابل بعض ( كالشك واليقين , والنور والظلمة , والوهم والحقيقة , والرحمة والعذاب , والليل والنهار, والإيمان والنفاق , وحسن الأدب والفظاظة) بالإضافة إلى بعض الأحكام التشريعية والإرشادات الإيمانية . وبناء على ذلك , يجب أن يكون البرد مضاداً ومقابلا ً للمطر الذي عبر عنه القرآن الكريم بالودق . فإذا كان المطر رحمة فيجب أن يكون البرد عذاباً . وفي واقع الأمر لا يعتبر البرد عذاباًَ إلا إذا هطل في وقت انعقاد الثمر في الأشجار المثمرة , أو وقت التزهير . وقد يسبب كسر بعض النوافذ إذا كانت حبته كبيرة نسبياً . أما عن البشر , فيمكنهم الاحتماء منه بمجرد استظلالهم ولو بمجرد سقف من القش . ناهيك عن أن هناك مناطق على الأرض لا يسقط عليها البرد مطلقا كمنا طق خط الاستواء والمناطق القطبية . أما المناطق المدارية , كالحجاز مثلاً , فنادراً جداً ما يسقط عليها البرد . وفيما عدا هذه الحالات القليلة , يعتبر البرد رحمة أيضاً كالمطر على حد سواء , فلا داعي لأن يخصص القرآن جملة جديدة لذكر البرد بأنه ينزل من السماء بعد ذكر الودق . إذ أنه بعد ذكره تكوين السحب وأن الودق ( أي المطر) يخرج من خلالها , ابتدأ بجملة جديدة (( وينزل من السماء )) فإذا كان المقصود هو البرد المعروف فهو أيضاً يسقط من السحب . لذا فقد كان من الأولى ذكر المطر والبرد في جملة واحدة , فهما كلاهما من السماء وكلاهما يسقطان من السحب , وكلاهما نعمة في الأصل . والمطر ذاته ينقلب إلى عذاب أيضا إذا زاد عن حده , فهو يسبب الفيضانات الجارفة , أما البرد فلا يدوم أبداً سوى دقائق معدودة لا تؤدي إلى تكوين أي فيضان على الإطلاق . وأما أضراره القليلة , فهي رغم قلتها ومحدوديتها مقصورة على زمان ومكان محددين , وعلى حجم محدود أيضاً , وفيما عدا ذلك فهو نعمة كالمطر تماماً . ولكن القرآن الكريم يتحدث عن عذاب حقيقي من نوع آخر , سنتحدث عنه لاحقاً.
2- إن سقوط البرد في أواسط الجزيرة العربية كالحجاز والدهناء والنفوذ ونجد هو ظاهرة نادرة للغاية لوقوع هذه الأقاليم في المنطقة المدارية ولذا فقد كانوا يسمون البرد ((بالحب العزيز)) وهذا الاسم محرف حاليا إلى (( حب العزيز )) . وكلمة العزيز ليست مأخوذة من الاسم المعروف من أسماء الله الحسنى ( أي العزيز) فهم في الجاهلية لم يكونوا يسمون الله تعالى بهذا الاسم , أي العزيز , إطلاقاً . ولذلك لا نجد مطلقاً أي رجل في الجاهلية يسمى بعبد العزيز , فهذا الاسم ورد في القرآن الكريم فقط , ومن ثم بدأ استعمال اسم عبد العزيز بعد ذلك . وعليه فاسم الحب العزيز يعني الحب النادر, فكلمة العزيز تعني أيضا النادر الوجود , في اللغة العربية . وأما في الأقاليم الشمالية , فقد كان الغساسنة في الشام والمناذرة في العراق يسمون البرد باسمه الشائع حالياً أي (( برد )) . ولا يعود اسم برد إلى البرودة , فالثلج بارد أيضا بنفس القدر , بل هو يعني الفتات الصلب . إذ كان يقال برد الحديد أو برد الخشب , ونحن الآن نقول برادة الحديد أو برادة الخشب , ونعني بذلك القطع الصغيرة الصلبة من المادة المعنية. والأداة الرئيسية التي تستخرج البرد أو البرادة من المادة تسمى بالمبرد . ولهذا كانوا يسمون فتات الثلج الهاطل من السماء باسم ندف الثلج , والذي كان يبدو لهم وهو ساقط من السماء كالقطن أو الصوف المندوف , أما البرد فكانوا يقولون عنه حبات البرد , أو البرد فقط, وذلك من حيث أنه فتات صلب لا من حيث أنه فتات بارد .
3- يقول الله تعالى في الآية المذكورة أعلاه (( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار )) . ومن المعلوم أن وميض البرق المعروف والذي يصاحب هطول المطر أو الحب العزيز لا يذهب بالأبصار ولا يكاد يذهب بها . فهو ذو إضاءة ضعيفة قياساً إلى ضوء الشمس . ولهذا فإننا نرى الأشياء من حولنا عند التماع البرق ليلا مثلما نراها بعد أذان المغرب بنصف ساعة وليس كما نراها في وقت الضحى أو الظهر أو العصر مثلا . إذن , فالمقصود هو شيء آخر ذو إضاءة أقوى من ضوء الشمس على الأرض بمرتين أو أكثر. ولعل الآيتين التاليتين تعطيان صورة واضحة عن الأشياء التي لها ضوء أقوى من ضوء الشمس : يقول الله تعالى للوط ( عليه السلام ) :
(( فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون ))
ويقول أيضا : ((فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها مصيبها ما أصابهم , إن موعدهم الصبح , أليس الصبح بقريب ))
وهنا يمكن أن نتساءل :
لماذا أمر الله تعالى لوطا وأهله بالخروج من قريتهم وبعدم الالتفاف إلى الوراء ؟
الجواب واضح من القرآن الكريم , في قوله :
((وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ))
فعندما يقع جرم فضائي تحت تأثير الجاذبية الأرضية ,فإنه يسقط عليها بسرعة تصل إلى 75 ألف كم/ساعة وفي هذه السرعة يؤدي احتكاكه بالطبقة الهوائية إلى احتراره إلى درجة التوهج , ومن هنا قوله (( حجارة من سجيل )) أي حجارة مشوية . وتتعرض الأرض بشكل متواصل إلى سقوط أجرام من الفضاء عليها , تزداد ندرة سقوطها كلما كانت كبيرة , ويزداد تواتر سقوطها كلما صغر حجمها . ومن هنا فإننا نشاهد سقوط الشهب كل ليلة وهي قطع من الصخور قد لا يصل حجمها إلى حجم حبة الحمص . ولذا فهي تتوهج وتحترق في الهواء تماماً نتيجة الاحتكاك به و الناجم عن سرعتها الخارقة , وبذلك لا تسبب أي ضرر. ونحسب أن الذي سقط على قوم لوط ليس نيزكا , فالنيزك هو عبارة عن قطعة واحدة أو قطع قليلة من الصخور أو من الحديد تصطدم بالأرض فتحدث فيها حفرة واسعة لا تخطئها العين . وأما القطع الكبيرة من أحد المذنبات , فهي تنفجر على ارتفاع قليل فوق سطح الأرض بقوة عدة قنابل هدروجينية وتصدر ضوءاً عند انفجارها يفوق ضوء الشمس على الأرض بعدة أضعاف وتحدث دماراً هائلاً في منطقة واسعة ولكنها لا تترك حفرة مميزة. ولقد سقطت عام 1908 قطعة من مذنب يعادل حجمها ملعبا لكرة القدم ويعادل وزنها 10 ملايين طن فوق منطقة تنغوسكا في سيبيريا فأحدثت دماراً هائلاً في منطقة تعادل مساحة مدينة لندن دون أن تترك حفرة واضحة تحتها بل حرثت التربة وقلبتها كأن ألف بلدوزر قام بتجريفها . والمذنبات هي عبارة عن قطع من الحجارة الصغيرة يلحمها بعضها مع بعض الجليد المكون من بخار الماء والنشادر والمركبات الكربونية . وينجم ذيلها المضيء الذي نراه بالعيان عن تبخر الجليد متأثراً بحرارة الشمس التي يدور المذنب حولها فتتفكك بعض الحجارة الصغيرة وتسقط على الأرض والكواكب الأخرى محدثة ظاهرة الشهب المعروفة . وأحيانا تسقط قطع كبيرة من المذنب دفعة واحدة على الأرض محدثة بلاءً عظيماً لمن يتعرض لسقوطها.
ومن هنا نحسب أن قطعة كبيرة من مذنب سقطت على قوم لوط فأهلكتهم لأن الله تعالى ذكر سقوط حجارة من سجيل , وليس حجراً واحداً . وأمره للوط وأهله بعدم الالتفات يعود إلى حرصه على حماية أبصارهم من العمى متأثرة بالضوء الشديد الباهر الذي سينجم عن الانفجار الهائل , أو على الأقل حمايتها من عشو النظر الذي سيصيبهم لعدة ساعات أو ليوم بكامله , والذي يكون مصحوباً بألم شديد في العينين . إذن , ما الذي تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى (( وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء , يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار )) . إن الذي تشير إليه هو سقوط قطع من المذنبات من السماء , وذلك للأسباب التالية :
1- ابتدأ بجملة جديدة للتعبير عن هذا الشيء المختلف جوهرياً عن المطر . فكأنه يريد أن يقول أن السماء ذاتها التي تأتي منها الرحمة وهي المطر, هي أيضاً مصدر لمجيء العذاب .
2- إن أحجام المذنبات في الغالب لا تزيد عن أحجام الجبال الأرضية , فهي بناء على ذلك جبال في السماء فعلاً .
3- إن هذه الجبال مكونة من قطع من الحجارة يلحم بينها الجليد , فهي برد , أو برادة كما نقول بلغة عصرنا , وكما أوضحنا أعلاه.
4- إن سنا ( أي ضوء ) برقها ( أي وميضها ) يكاد فعلاً أن يذهب بالأبصار , لأنه يفوق ضوء الشمس قوة بعدة أضعاف .
ننتقل الآن إلى موضوع آخر . يقول الله تعالى في كتابه الكريم :
(( وهو الذي مرج البحرين , هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج , وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجورا ))
ويقول أيضا:
(( مرج البحرين يلتقيان . بينهما برزخ لا يبغيان ))
والبرزخ كلمة فارسية الأصل وتعني (( الحاجز)) في تلك اللغة . وفي واقع الأمر , فإن القرآن الكريم يوضح بأن كلمة برزخ تعني الحاجز . يقول الله تعالى :
(( وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ))
وهذا الحاجز ليس حاجزاً مكانياً أو جغرافياً بل هو حاجز وجودي , أو تكويني . وسنفسر هذه المفاهيم لاحقاً. ولم يتعرض المفسرون الأقدمون لهذه الآيات بتفسير علمي مقترح بل اكتفوا بتفسير كلماتها لغوياً . أما في القرن العشرين فقد قدم عدد من المفسرين اقتراحات شتّى لتفسير هذه الآيات . فقد ذهب بعضهم إلى القول بأن البحرين المذكورين هما متراكبان , يمتد احدهما فوق الآخر, إذ أن هناك تيارات مائية في أعماق البحار تسير لمسافات طويلة دون أن تختلط بالكتلة الرئيسية للبحر. وهذا التفسير متسرع وسطحي , إذ أن القرآن الكريم ينص على أن هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج , والتيارات البحرية سواء أكانت تيارات سطحية أو تيارات أعماق هي من الماء الملح الأجاج أيضاً, كبقية مياه البحر تماماً .
وتذهب تفسيرات أخرى إلى أن مصبات الأنهار الضخمة في البحار يسود فيها الماء العذب إلى مسافة بعيدة نسبياً . فنهر الأمازون , مثلاً , يدفع الماء الملح في المحيط الأطلسي عند انصبابه فيه مسافة 100كم يسود فيها الماء العذب . وبالمقابل فإن المد في المحيط الأطلسي يدفع نهر الأمازون إلى الوراء مئات الكيلومترات , حيث تدخل مياه المحيط في فم النهر على شكل أمواج ضخمة وبصوت صاخب وبسرعة تزيد عن سرعة سيارة سباق . ولكن هذا التفسير , وبدون انتباه من المفسر , يظهر بأن البحرين يبغيان فعلا احدهما على الآخر , بين الفينة والفينة , خلافاً لقول القرآن الكريم بأنهما لا يبغيان . فضلاً على أن هذا الاختلاط جزئي وهامشي لا يكاد يذكر نسبة إلى كتلة كل من البحرين المعنيين , فهل
هكذا يتمثل مزج ( أي خلط ) البحرين ؟
إذن ما هو القول الفصل في هذا الموضوع ؟
نبدأ بالقول بأن هناك فعلا بحران في الكرة الأرضية , أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج . وتبلغ كمية المياه في البحر المالح حوالي 1400مليون كم3 . والكيلو متر المكعب من الماء العذب في درجة الحرارة المئوية البالغة +4 يبلغ وزنه مليار طن . والكيلو متر المكعب الواحد من الماء الملح هو أثقل من ذلك بقليل . كما تبلغ كمية المياه في البحر العذب حوالي 35 مليون كم3 . والبحر العذب مصدره بالتحديد هو البحر الملح إذ يستمد مياهه منه عن طريق التبخر , ويصرف البحر العذب مياهه الزائدة إلى البحر الملح عن طريق الأنهار والسيول والأمطار والثلاجات التي تتدفق إلى البحر الملح مكونة جبالاً جليدية تعوم على سطحه لعدة سنوات إلى أن تذوب فيه بالكامل , بحيث تظل كمية مياه البحر العذب على الدوام حوالي 35 مليون كم3 . وهذه العملية برمتها تسمى (( دورة المياه في الطبيعة )) . وبحر الماء العذب يتكون من بخار الماء الموجود على الدوام في الهواء , ومن البحيرات , ومياه الينابيع التي تستمد منها الأنهار معينها , والمياه الجوفية التي يمكن استخراجها بواسطة الآبار , وطاقيات الجليد الموجودة في القارة القطبية الجنوبية وفي جزيرة غرينلاند وآيسلاند , وطاقيات الثلج الدائم الموجودة على الجبال الشاهقة كجبال الألب والهيملايا وغيرها , وحقول الثلج الدائم الموجودة في شمالي كندا وبعض الدول الاسكندنافية وبراري سيبيريا وغيرها من المناطق الواقعة على خطوط العرض الشمالية العالية . وكذلك يتكون من المياه الموجودة في أجسام الكائنات الحية . وإن البغي الذي ينص عليه القرآن الكريم بقوله (( بينهما برزخ لا يبغيان )) هو طغيان احد البحرين على الآخر بحيث يزيد أو يقلل من كتلته من جهة , أو يزيد أو يقلل من ملوحته أو عذوبته , من جهة أخرى . والبحر العذب , كما قلنا , يستمد مياهه من البحر المالح عن طريق التبخر. فعن طريق هذه الخاصية يتبخر من سطح كل كيلو متر مربع من البحر المالح حوالي 50 م3 من الماء العذب في الساعة بصورة وسطية . ونقول بصورة وسطية لأن كمية التبخر تتفاوت بين النهار والليل , وبين الصيف والشتاء , وبين خط الاستواء والناطق القطبية . وعميلة التبخر تنتج الماء العذب الخالي من أية أملاح بصورة تامة , فهناك برزخ أي حاجز وجودي أو تكويني يمنع صعود الأملاح إلى الهواء عن طريق البخر , وهذا البرزخ يعتمد على خاصية تبخر المواد في درجات حرارة مختلفة . ففي درجات الحرارة العادية لا يتبخر إلا الماء ويترك جميع الأملاح وراءه في البحر الملح . وهكذا نرى أن البحر العذب متصل تماماً بالبحر الملح عند منبعه , ولا يوجد حاجز جغرافي أو مكاني بينهما بل هو حاجز وجودي أو تكويني يعتمد على خاصية تكوين الأملاح من حيث أن درجات حرارة تبخرها تزيد على درجة حرارة الماء بمقدار عظيم . وكذلك فإن انصباب البحر العذب في البحر المالح , كانصباب الأنهار والسيول والأمطار والجبال الجليدية في البحر المالح , لا يقلل من ملوحة هذا البحر الأخير لأنه في لحظة انصباب المياه العذبة في البحر المالح يكون التبخر قائما ونشطاً باستمرار بحيث يتوازن مع انصبابات المياه العذبة في البحر المالح وبحيث تظل كمية البحرين ثابتة . والعملية ذاتها المذكورة آنفاً تمنع من زيادة أو نقصان كمية المياه في البحرين المذكورين بشكل خطير أو حاد , طالما أن الأرض تقع على مسافة 149 مليون كم عن الشمس وطالما أن الإشعاع الحراري للشمس ثابت , وهو الطاقة التي تؤدي إلى تبخر المياه , إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا .
هكذا يتم مرج البحرين بالكامل حيث أن البحر العذب كما قلنا يستمد معينه من البحر المالح والبحر المالح يستعيض عن كميات المياه المفقودة منه بالتبخر بتلقيه انصباب الأنهار والسيول والثلاجات والأمطار التي تنصب فيه من جديد . والفرق بين كلمة ( مرج ) و ( خلط ) هو أن الخلط يتم مرة واحدة وينتهي الأمر كخلط البنزين بزيت الكاز أو زيت الزيتون بزيت الذرة , أما عميلة المرج فهي عملية دائبة متواصلة لا تتوقف أبداَ . وهكذا هو الأمر بالنسبة للبحرين حتى قيام الساعة .
هذا ما توصل إليه بحثنا . فإن أصبنا فبتوفيق من الله عز وجل . وإن أخطأنا فإننا نرضى بثواب المجتهد المخطئ ونقول ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
بقلم وليد الأصفر

23-02-2009 قي الساعة 4:37 pm
سبحان الله بعض كلمات من القرآن أجري منها أبحاث ووأكتشف منها حقائق ووثائق سبحان الله حقا هو دستور ومرجع ويجد الباحث بدقة ووعي بكلام الله حقائق فيزيائية وكيميائية ورياضية عظيمة تثبت أنه لا إلاه إلا الله وتحثنا نحن المسلمون على الدراسة وتقصي الحقائق وتوضيح الأمور فنحن الأولى بذلك بتقديم الأكتشافات العلمية والحقائق الكونية والإعتماد على مرجعنا الأول والأخير القرآن الكريم الذي اتخذه بعض المسلمين للقراءة فقط وقد امرنا الله كثيرا بكتابه العزيز بالتفكر والتدبر والتعقل شكرا جزيلا استاذنا على هذه المقالة وجزاك الله كل خير
23-02-2009 قي الساعة 10:21 am
يقول الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)[سورة النور: 34].
ورد في (غريب القرآن ) أن قول الله تعالى :(يزجي سحاباً) يعني يسوقه بالرياح، (ثم يؤلفه بينه) : يعني يجمع قطع السحاب، فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق .
(الودق) يعني : المطر أو القطر، (يخرج من خلاله) يعني: من فتوقه (من جبال فيها من برد) يعني : كما أن الجبال جمع جبل، من جبال في السماء. وقال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خلقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.
وقال أهل المعنى: السماء ههنا الغيم(السحاب) المرتفع فوق رؤوس الناس، والمراد بالجبال كثرتها.. وقبل أن ندخل في جولة بين التفاسير المشهورة، وهي عديدة، لنتعرف على السحاب، وكيف يتكون، وما أنواعه ..
ومحاولات علماء الفيزياء و الأرصاد الجوية لاستزراع السحب.
ما هو السحاب؟
يعرف العلماء السحاب ( Cloud) بأنه بخار الماء متكاثف يتألف من جسيمات (Particales) متكون من قطيرات (Droplets) صغيرة الحجم من الماء السائل، أو بلورات ( Crystals) صغيرة من الثلج، قطر الواحد منها لا يتجاوز عشرة أجزاء من الألف من المليمتر، ولو صُف ألف جسيم منها لم يتعد طوله 1.5 سنتمتر. يقوم الهواء بحمل هذه الجسيمات الدقيقة، فتظل متعلقة في الجو، ويمدها غالباً بتيارات صاعدة(مندفعة في الأسفل إلى الأعلى ).
ويحتوي الهواء مواد عديدة كالبكتيريا، وأملاح البحار، والأتربة والدخان، والهباب، والغبار، وحتى حبوب لقاح الأزهار، وهي ما يطلق عليها العلماء اسم [ نوى التكاثف Condensation nuclei] وهي مواد يتوفر وجودها في طبقات الجو السفلى، وتتكثف عليها قطرات الماء الصغيرة جداً في السحب، فتزداد أحجامها، ويتألف منها المطر بعد أن تصعد الرياح الحارة المشبعة ببخار الماء إلى طبقات الجو العليا وتتكون منها السحب.
صورة توضح كيفية تكاثف قطرات الماء الصغيرة حول نوى التكاثف
وأما المصدر الطبيعي للملح في الجو، فإن الرياح حيت تلطم سطح البحر صباح مساء تحمل رذاذه المحمل بجزيئات الملح إلى الجو، وترتفع في طبقاته، وتعمل كنوى تكاثف في السحب، إضافة إلى الشوائب الأخرى التي أشرنا إلى أهمها من قبل. ومما يذكر في هذا المقام أن جميع السحب التي تغطي سطح الأرض في وقت واحد، لا تحتوي سوى واحد بالألف من ماء الكرة الأرضية.. !!
كيف يتكون السحاب .. وكيف يتساقط منه البريد ؟؟؟
لقد أفاض القرآن العظيم في وصف العوامل والأسباب التي تتدخل في تكوين السحب، وهطول المطر، وذلك قبل أن يتوصل العلماء حالياً إلى معرفتها. وأوضح القرآن أن الرياح هي التي تثير السحب وتوزع حملها من الأمطار : (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ
فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ {48} وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ)[سورة الروم].
كما فرق القرآن بين أنواع السحب، وأوضح كيف يخرج الودق [أي المطر ] من خلال هذا الركام (الذي يشبه الجبال)، وكيف ينهمر البرد من هذا الركام (الذي يشبه الجبال)، وكيف ينهمر البرد من هذا النوع فقط من السحب : (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء)[سورة النور:43].
وكيف يحدث البرق والرعد ؟ وكيف تقوم الرياح بتلقيح السحب؟
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ {22} )[سورة الحجر].
وأصبح من المعلوم الآن أن السحب تتكون حينما يبرد الهواء، ويصل إلى نقطة الندى( Dew Point)، أو درجة التشبع (Saturation)، فتقل قدرته على حمل بخار الماء (water vapour) فيتحول إلى نقطة ماء، أو إلى بلورات ثلج، حسب درجة حرارة تلك المنطقة من الجو هذا وقد أشرنا إلى أن القطيرات المائية، التي تتصاعد محمولة على متن الريح الصاعدة، صغيرة جداً بحيث لا ترى إلا بالمجهر [ الميكروسكوب]، وخفيفة جداً لدرجة أنها تصعد مع أهدأ تيار هوائي.. وتزداد أحجام هذه القطيرات شيئاً فشيئاً ـ كما أوضحنا من قبل ـ فتكون السحابة في النهاية مشكلة من قطيرات ماء وهواء، ويمثل الهواء النقي أكثر من 99% من مكونات أية سحابة.
وينزل الماء الطهور العذب بهطول السحابة وهو ما أشار إليه القرآن العظيم في قول الله تعالى
وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا) [سورة الفرقان: 48].
(وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا)[سورة المرسلات:27].
نعم وذلك لأن أشعة الشمس بما فيها من أشعة فوق بنفسجية (Ultraviolet) وأشعة تحت حمراء ( infrared) وغاز الأوزون ( Ozon) ولأن البرق، ولأن المركبات الكيميائية المختلفة الموجودة في طبقات الجو العليا، تقوم هذه وتلك بقتل الميكروبات، وإعدام الأحياء الدقيقة الضارة التي تحملها الرياح عادة وتدخل بها في السحب، وبالتالي ينزل المطر بماء طاهر نظيف خال من الجراثيم والميكروبات، وهي الكائنات التي لم يعرفها الإنسان إلا بعد أن أكتشفها العالم الفرنسي ” باستير” في القرن التاسع عشر الميلادي ( أي بعد نزول القرآن بنحو أثني عشر قرناً ميلادياً) .
وماء المطر عذب ” فرات”، فبالرغم من أن ما صعدت به الرياح وكونت به السحب، إنما هو ماء مالح من البحار والمحيطات ، فإن الله سبحانه هيأ الأسباب لإزالة ملوحته أثناء عملية البخر الطبيعي !!! أليس هذا إعجاز للكتاب في وصف السحاب ؟ ! بل إنه كذلك، وسوف نزيد ذوي الألباب من الكثير في هذا الباب .
لدينا أربعة نصوص قرآنية تشرح ـ بالتفصيل ـ جوانب مهمة في السحب والمطر هي :
(1) (لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)[سورة النور:43].
(2) (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ {48} وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ)[سورة الروم].
(3) ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ {68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ {69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ{70} أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ )[سورة الواقعة:68_70].
(4) (إنَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِوالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ ِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَامن كل ِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)[سورة البقرة:164].
هذه نصوص قرآنية سنرجع إليها كثيراً، لذلك أثبتناها هنا، وفيما يلي نعرض ما نريد أن نوضح به جوانب فيها كل الناس (حتى القرن السابع عشر الميلادي) يعتقدون بأن السحب عبارة عن هواء بارد سميك، إلى أن ظهر ” ديكارت” وقال بأن الهواء وبخار الماء شيئان مختلفان، ولكن القرآن العظيم حين نزل (في القرن السابع الميلادي) فرق بين الرياح والسحب، وبين الدور الذي تقوم به الرياح في تكوين السحب وإنزال المطر والبرد منها.
وكلما اكتشف العلماء حقيقة علمية أو توصلوا إلى معرفة أسرار حدث كوني أو أمر طبيعي، ثم طالعنا آيات القرآن العظيم، وجدناها قد أشارت إليه، أو ذكرته، أو شرحته، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة. وهكذا يظهر القرآن على غيره مما يحاول الحاقدون أن يتشبثوا به … وهكذا يظل هذا الكتاب المجيد متجدداً ومستمر العطاء ودائم الإبهار لجميع الدراسين له..
ومنذ مدة لا تزيد على 200سنة فقط، قام ” لوك هوارد ” بوضع تقسيم السحب، ولا يزال يعمل به المتخصصون إلى الآن، وذلك حسب الشكل والسمك والارتفاع، ويتضمن ثلاثة أنواع:
[1] السحب العالية:يتراوح ارتفاعها بين 8 ـ 14 كيلومتر، حيث الجو شديد البرودة، ويسمى السحاب الموجود على هذه الارتفاعات (سمحاق) وتقابله اللفظة الأجنبية ” سيرس Cirrus” أي : ريشية الشكل، كذيول الخيل.
ويظهر السحاب في السماء كالشعر الأبيض في مساحات واسعة، ويظهر مع الشمس في شكل هالة، ويتألف من بلورات ثلج صغيرة منفصلة عن بعضها البعض، ولونه أبيض نهاراً وردي صباحاً وعند الغسق (Dusk)، ويعقبه حدوث تقلبات جوية وأعاصير، ومنه سمحاق طبقي، وسمحاق ركامي.
[2] السحب المتوسطة :يترواح ارتفاعها بين 2_5 كيلومترات، وتسمى (السحب الركامية)، وهي تقابل اللفظة الأجنبية ” كيوميولس Cumulus “ويبدأ تكون هذه السحب في فترة الضحى أو قبيل العصر، ويزداد نموها رأسياً مع اقتراب المساء، وترتفع حتى يصل سمكها إلى 5 كيلومترات .
ويصحب هذه السحب حدوث عواصف واضطرابات جوية، كالرعد والبرق، وخصوصاً مع بداية هطول المطر منها، وقد يصحب هذا المطر سقوط (برد) ..
تتنوع السحب الركامية إلى: سحب بيضاء وسحب ممطرة، وغيرها.
ويتألف السحاب الركامي من ثلاث طبقات، بعضها فوق بعض هي :
أ ـ منطقة عليا :وتحتوي بلورات ثلجية ناصعة البياض.
ب ـ منطقة وسطى:وتحتوي خليطاً من نقطة الماء الزائدة البرودة (over cold)، وبلورات الثلج المتساقطة من أعلى (بفعل الجاذبية الأرضية (Gravity).
ج ـ منطقة سفلى:وتحتوي على نقطاً من الماء أو بلورات من الثلج على أهبة الاستعداد للسقوط إلى الأرض، ولونها معتم غير منفذ للضوء .
[3] السحب المنخفضة:لا يزيد ارتفاعها على 600متر فوق سطح الأرض، وتسمى (السحب الطبقية) أو (السحب البساطية )، وتقابل بالأجنبية (Stratiform Clouds)تتكون هذه السحب في الجو المستقرن ولا يصاحبها حدوث عواصف رعدية، أو سقوط برد، ولذلك يرحب بها الناس عادة.
والسحب الممطرة (المزن) في جو الأرض قليلة إذا قوبلت بالسحب غير الممطرة، وهي كثيفة قاتمة، وليس لها شكل معين، وحوافها مهلهلة، وينهمر منها المطر أو الثلج بصفة مستمرة.
والسحاب الثقال ذكره القرآن بقول الله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)[سورة الرعد:12].
وبقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ لرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ لثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[الأعراف:75].
وهذا السحاب الثقال نمط من السحب، يرتفع غلى 20 كيلومتراً عن سطح الأرض، ويصل قطره إلى 400كيلومتراً، وحمولته 500طن من الماء، ومحتواه الحراري يكفي لسد حاجيات دولة كبرى كالولايات المتحدة من الكهرباء، لثلث ساعة تقريباً .
ويسقط المطر على سطح الأرض وسطح البحار والمحيطات، فيعيد ما سبق أن أخذته الرياح منها، من ماء وطاقة حرارية، ثم امتصاصها بالتبخير إلى طبقات الجو العليا، ثم يمتص الماء والطاقة الحرارية مرة أخرى، ثم يعيدها المطر مرة أخرى، وهكذا في دورة مستمرة، عبر عنها القرآن المجيد بقول الله تعالى : (والسماء ذات الرجع) .
نعود إلى النصوص المذكورة صدر هذه المقالة، ففي النص القرآني الأول يوضح المولى جل جلاله أنه يزجي، أي :”يسوق” قطع السحاب برفق نحو بعضها البعض، ثم ” يؤلف بينه” أي : يتم التجاذب فيما بينها نظراً لاختلاف شحناتها الكهربائية .
وهكذا فإن الفعل : يؤلف يشير غلى التجاذب الكهربائي بين السحب الركامية. وأما كيف تتراكم الشحنات المتشابهة مع بعضها البعض في مكان واحد، فغير معلوم على وجه الدقة حتى الآن، فقد تكون السحابة الركامية مثلاً موجبة الشحنة عند القمة، ثم سالبة الشحنة في وسطها، ثم موجبة الشحنة عند قاعدتها، ثم تولد هذه الشحنة شحنة أخرى سالبة تحتها … وبذلك فإن الفعل ” يؤلف ” المذكور في الآية يفيد التأليف بين السحاب ـ ضمن إفاداته الأخرى ـ من حيث الشحنات الكهربائية، أي : تجميع الشحنات المتشابهة والمختلفة داخل السحابة الركامية الواحدة والجملة القرآنية ( ثم يجعله ركاماً ) تعني أن الله يهيء الظروف لتراكم قطع السحب فوق بعضها البعض فتصبح ” ركاماً ” ويشبه الجبال، ولذلك جاء في نفس الآية القرآنية قول الله سبحانه : (وينزل من السماء من جبال فيها من برد )
فالسحب الركامية ضخمة وعالية ومتراكبة، أي أنها متراكمة في أحجام الجبال، كما عبرت الآيات القرآنية المعجزة .
نصل كلامنا بالفقرات السابقة، ونواصل تناول تعبيرات وجمل وكلمات الآيات الواردة في النصوص القرآنية التي صدرنا بها الحلقة المذكورة، لنرى قول الله تعالى: (فترى الودق يخرج من خلاله ) يعني المطر ذي القطرات الكبيرة تهبط من الفتوق التي تحدث بالتراكم من هذه الجبال، أي : الجبال السحبية. وأما ” البرد ” الذي جاء ذكره في قول الله تعالى : ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد ) فقد تكلمنا عن نشأته آنفاً، وعلينا الآن أن نعرف آثاره المدمرة، إذ يسقط في شكل حبيبات ثلجية كروية، تتكون من طبقات شفافة ومعتمة، تشبه البصلة، ويصل وزن الواحدة رطلاً وثلث الرطل.
وقد حدث أن سقط البرد في نبراسكا في يوليو 1928م وسقط في كانساس في سبتمبر 1970م، وكانت حبات البرد حين تسقط تسبب خسائر اقتصادية خطيرة أحياناً، فلقد خسرت الولايات المتحدة في إحدى الفترات ما قيمته 300مليون دولار بسبب سقوط البرد على البلاد.
وهكذا يتبين من هذه الجزئية : (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)كيف أن القرآن العظيم سبق العلم الحديث بإشارته إلى أن السحاب الركامي هو النوع الوحيد من السحب الذي ينزل منه (البرد) .
فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء ) تفيد بأن الله يصيب بالبرد أناساً، ويقي آخرين منه، أي أن تأثيره محلياً وليس عالمياً، بل وقد يكون في البلد الواحد حقل يسقط عليه البرد وحقل آخر لا يسقط عليه. ومن نافلة القول إن التنبؤ بموعد سقوط البرد أمر غير متاح بدقة حتى الآن …!!
أما الجزئية التي أعقبت تلك الجزئية في نفس النص القرآني
وأما الجزئية الأخيرة في هذا النص الكريم، فتتحدث عن ” البرق ” وهو حدث فيزيائي ينشأ كشرارة في الجو نتيجة مختلفتين، فإذا تم هذا التفريغ بين سحابة وبين جسم موجود على سطح الأرض (كجبل أو شجرة مثلا) سمى الناتج عن هذا التماس [صاعقة] .. وعند حدوث
التفريغ الكهربائي يرتفع فوق الجهد لدرجة تجعل الهواء موصلاً للكهرباء لأن ذراته قد تأينت فتمر الشرارة ويحدث البرق في زمن قليل قد لا يتعدى جزء من الثانية …
والرعد يصاحب ” البرق ” وذلك لأن درجة حرارة شرارة البرق تصل إلى أكثر من 1000درجة مئوية، فيسخن الهواء ويتمدد وتحدث الفرقعة المدوية. وإذا نظر الإنسان في وجه البرق الشديد الضياء فإنه لا بد وأن يصاب بالعمى المؤقت، لذلك قال الله في نفس الآية القرآنية : (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)، ويشير النص القرآنية: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)، ويشير النص القرآني الذي أثبتناه في الفقرة السابقة [الآية 48 من سورة الروم] إلى تكوين السحب البساطية، وكيف أنها تكون (كسفا) أي : طبقة رقيقة فوق طبقة رقيقة، أي كتلة أفقية تنمو دائماً أفقياً وليست رأسياً (كما هو الحال في السحب الركامية) .
وأما النص الثالث[ الآيات 68ـ 70من سورة الواقعة ]، فيشير إلى السحب الممطرة باللفظ “المزن “، وكيف أن الله أنزل الماء الصالح للشرب للمخلوقات الحية من هذه السحب الممطرة، وأنه قادر على جعله ملحاً أجاجاً بدل أن يجعله عذاباً فراتاً .
ونصل سريعاً إلى النص القرآني الأخير [ الآية 164من سورة البقرة]، وهي نص جامع شامل للعديد من الأمور الكونية والأحداث الطبيعية، ثم يختم المولى جل جلاله هذا النص بإظهار الحكمة من إيراده، وهي أن الله خلق وصنع وقدر وأحكم كل الظواهر والأشياء لكي يتفكر الإنسان فيها ويتدبر عظمة الخالق جل جلاله .. ونمر سريعاً مع هذا النص الكريم لنفهم بعضاً مما ورد فيه:
[1] (إن في خلق السماوات والأرض]، أي في إبداعها وإبداع الدقة والإحكام فيهما، والسموات والأرض هما الكون كله ـ عموماً ـ بما فيه من أجرام فلكية، وليس المدلول اللفظي للكلمات فقط، وذكر هما يدل أيضاً على ما بينهما من مخلوقات.
[2] (واختلاف الليل والنهار)أي : حدوثهما وتعاقبهما وعدم تساوي مدتيهما يومياً . ويدل هذا ضمناً على دوران الأرض حول محورها أمام الشمس . ولا شك أن طول كل منهما يختلف في المكان الواحد من فصل إلى آخر، كما يختلف طول كل منهما في الفصل الواحد حسب خط عرض المكان.
[3] (والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس).
وفي هذا إنعام من الله على الإنسان، أن خلق لخدمته ظاهرة الطفو على سطح الماء، ليركب الإنسان السفن، ويتنقل هنا وهناك ويدير حركة التجارة البحرية وغير ذلك من شئون الحياة.
[4] (وما أنزل الله من السماء من ماء)،هو المطر، والمطر هو المصدر الأساسي لماء الأرض، وهو ـ في الأحوال الطبيعية العادية ـ عذب فرات صالح للشرب.
إذاً (فأحيا به الأرض بعد موتها ) وإحياء التربة هو إنباتها للنبات، فيظهر لها رونق وجمال ونضرة، وتدب الحياة فيها وعليها.
[6] (وبث فيها من كل دابة)،لفظة ” بث ” تعني فرق ونشر ووزع، والدابة هي كل ما يدب على الأرض وأغلب استعمالها في اللغة لحيوانات الركوب والأحمال.
[7] (تصريف الرياح)يعني توجيهها وتيسيرها وتوزيعها بقدرة الله، وقد شرحنا هذا في حلقة سابقة.
[8] (والسحاب المسخر بين السماء والأرض)أي : السحب التي تسير وفق إرادة الله فهي مسخرة في نشأتها وفي حركتها وفي وجهتها، تبعاً لإرادة الله، إذ لو بقي السحاب معلقاُ في الهواء لكثر وتعاظم وزادت أحجامه واتسعت مساحاته وحجب ضوء الشمس عن المخلوقات، وفي هذا ضرر شديد، وإذا تكاثر السحاب ودام لاستمر هطول الأمطار وغرقت الأرض، وفي هذا أيضاً ضرر شديد .
لكن الله يسوق الرياح فتحرك السحاب وتقوده إلى حيث يشاء الله، وينزل منه المطر في الوقت والمكان اللذين تحددهما المشيئة الإلهية، التي شاءت أيضاً أن ينزل هذا القرآن هداية للناس ومنهاجاً لصلاح دنياهم وآخرتهم .
23-02-2009 قي الساعة 6:37 pm
مشكووور استاذ وليد على الشرح الوافي
23-02-2009 قي الساعة 6:57 pm
أتعجب من شئ….. وماالمشكلة لو كان الجبل هو مذنب ؟؟؟
ربما لا يجب ان يكون مذنب وفقط ! لأنه يخالف المفسرين ! وما الضير في ذلك.
لدي تساؤل, باترى كم كتاب لدينا الآن من تفاسير و و و و تتساوى بالقداسة كالقرآن (كما يقول الواقع الآن)!!!! والله لم أعد أميز بين القرآن وآحاديث البخاري وتفسير الجلالين و و و والسبب هو …..
23-02-2009 قي الساعة 11:37 am
نصيحة أخي مصعب لا يوجد سبب لهذا التشتت الذي تعاني منه والأمور كلها بسيطة ولكن علينا نحن التركيز والبحث عن الحقيقة التي تقنعنا ويجب الإستماع للجميع واحترام وجهات نظر الكل وكل ذلك وذاك يدور حول حقيقة واحدة انه لا إلاه إلا الله واستفتي قلبك ولو أفتوك
23-02-2009 قي الساعة 8:08 pm
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خاتم النبيين , وعلى آله وأصحابه أجمعين, وبعد..
فإني أود أن أعبر عن خالص شكري للذين علقوا على مقالي المنشور على الشبكة الدولية , والمعنون (( نزّل البرد ومرج البحرين )) بغض النظر عن كون آرائهم مؤيدة أو معارضة لما قلته.
وأخص بالشكر السيد حسين علي حميض على المقال الذي نقله لنا عن أحد الكتاب والذي تضمن بعض الإيضاحات العلمية المدعومة بآيات من القرآن الكريم .
ومن ثم فإن ردي هذا ليس موجها للسيد حسين حميض الذي نحترم ونجل , بل هو تعليق على بعض آراء كاتب المقال المذكور أعلاه , والذي نحترم رأيه , ولكن الشخص الوحيد المنزه عن الخطأ في الأمور الدينية والذي هو فوق مستوى النقد والذي (( لا ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى )) هو وحده النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
والموضوع الذي قدمه الكاتب المذكور يدور في معظمه حول تشكل الغيوم وسقوط المطر , ولا يتحدث سوى بجمل قليلة عن موضوع بحثنا الذي هو إنزال البرد . ومن جهة أخرى , فإن المعلومات التي يقدمها الكاتب هي معروفة لدى أي طالب في المرحلة الثانوية (الفرع العلمي ) رغم إيراد الكاتب الكثير من الكلمات والعبارات باللغة الإنكليزية التي نتقنها والحمد لله.
ويقول الكاتب المذكور : (( وقال عامة المفسرين : إن في السماء جبالاً من برد , خلقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالا من حجر )) .
ولقد كان ينبغي على كاتب المقال أن يقول (( وقال عامة المفسرين القدماء)) , إذ لا يوجد في القرن العشرين مفسر واحد يقول بهذا الرأي بعد أن تحقق العلماء من الغيوم الركامية ومن كيفية هطول البرد منها باستعمال المناطيد والطائرات التي أطلقت إلى أعالي الطبقات الجوية . ولقد ذكرنا هذا في مقالنا الرئيسي .
واللافت للنظر هو أن الكاتب المذكور يورد في المقال نفسه عبارة (( ينهمر البرد من هذا الركام (من الغيوم) الذي يشبه الجبال )) . فالعجب العجاب من كيفية وقوع الكاتب المذكور في فخ التناقض الجلي هذا بين الرأيين: فهل يعتقد أن البرد ينزل من الغيوم أم من جبال مكونة من البرد موجودة في السماء ؟ ونحن لا نلوم المفسرين القدماء على رأيهم , إذ لم تكن لديهم أية وسيلة لدراسة هذه الظاهرة , وهم سجناء عصرهم من الناحية العلمية , ولم تكن أبحاث المناخ والأحوال الجوية متوفرة لديهم , فاقترحوا هذا الرأي بدون تقديم أي برهان . ولكننا نلوم أبناء عصرنا إذا أخذوا بهذا الرأي بعد أن توصل العلم إلى نتائج قاطعة في هذا الموضوع . فهل اكتسب المفسرون القدماء هالة من القداسة والعصمة عن الخطأ في نظر باحثينا المعاصرين لمجرد كونهم ينتمون إلى عصر قديم ولمجرد كونهم يتصفون بالتقوى ؟!
إننا لا ندري كيف نرد على هذا التساؤل . وعليه فإننا نترك ذلك لفطنة ونباهة القراء الكرام , فلعل أحد منهم يبين لنا وجه الحقيقة في هذا الأمر , هذا مع أن الإمام مسلم يقول (( فلان أرتجي بركة دعائه ولكني لا أقبل حديثه )) , أي أن التقوى لا تكفي وحدها في القضايا العلمية .
ويقول الكاتب المذكور : ((وقال أهل المعنى : والمراد بالجبال كثرتها )) . ونحن لا نعرف أي جماعة أو فئة أو زمرة أو عصبة يسمى أفرادها بأهل المعنى . ولعل الكاتب يقصد أهل اللغة أو اللغويين , أو لعله يقصد أهل التفسير أو المفسرين . أما عبارة (( أهل المعنى )) ففيها إدعاء بغير أساس وتنفّج بغير تبرير , إذ أن ذلك يوحي بأنهم هم وحدهم يملكون المعنى . أي أن هذه التسمية تزعم أنهم لا يقدمون تفسيرا مقترحا للقرآن فقط , بل يقدمون تأويلا نهائيا له , وهذا لا يمكن قبوله بأي وجه من الوجوه دون تقديم دليل ساطع أو برهان قاطع على صدق هذا الزعم .
والقرآن الكريم , كما قلنا في مقالنا الرئيسي , لا يستعمل التشبيه البليغ كقولك ( فلان ثعلب) في الحديث عن الظواهر الموجودة في عالمنا هذا , بل يستعمل التشبيه عن طريق استخدام كاف التشبيه كقولك ( فلان كالثعلب) أو باستخدام كلمة كأن أو باللجوء إلى التمثيل (( مثل الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة )) وذلك كي لا يلتبس المعنى على القارئ . ومن لا يصدق هذا يستطيع أن يراجع القرآن الكريم بكامله من أجل التحقق من هذا الأمر .
وإليك مثال عن ذلك :
يقول الله تعالى في سورة هود: (( وهي تجري بهم في موج كالجبال )) .
لاحظ تشبيهه الموج بالجبال باستعمال كاف التشبيه , مع أن الموج أكثر جلاءً من الغيوم وأكثر شبهاً منها بالجبال. فلقد حرص على عدم القول مثلاً (( وهي تجري بهم في جبال من الموج )) .
وفي الآية التي تليها يقول على لسان ابن نوح عليه السلام :
((قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء )) .
لاحظ هنا بالمقابل استعماله كلمة جبل دون كاف التشبيه , عند حديثه عن جبل من الصخور .فعلى هذه الشاكلة , كما ترى , تتبين لنا دقة القرآن المطلقة في تسمية الأشياء في دنيانا هذه .
أما القول بأن المراد بالجبال (( كثرتها )) فهذا قد يصح في الكلام العادي في اللغة العربية , ولكنه لا يصح في القرآن . فالقرآن دقيق بشكل تام في تعبيره اللغوي بحيث لا يسمح بوجود أي التباس في الحديث عن ظواهر كوننا هذا . أما كلامنا العادي ففيه ترخّص كبير وإطناب في غير محله في كثير من الأحيان: كوصف الشعراء حبيباتهم بالقمر أو بالمها , وما إلى ذلك .
ولهذا يقول الله تعالى : (( والشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل واد يهيمون )) .
ويقول الكاتب أيضا في مكان آخر عند حديثه عن الغيوم بأنها في حجم الجبال . ولكن المفسرين يقولون أن الغيوم هي بشكل الجبال لا بحجم الجبال . وفي الواقع , يمكننا القول عن أي شيء كبير أو مرتفع بأنه في حجم أو ارتفاع الجبال . وهذه مبالغة ليس لها أي ضابط أو معيار مجمع عليهما .
ويذكر الكاتب أيضا أن لمعان البرق يصيب المرء بعمى مؤقت , وهي حالة انبهار في النظر تدوم لفترة معينة , لا يرى فيها الأشياء بوضوح , وذلك في معرض تفسيره لقوله تعالى : (( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار )) . وهذا الرأي غريب حقا , بل إنه يثير الذهول , فهل خطرت للكاتب الحقائق التالية :
1- إن أي ضوء يقع على العين ( ضوء مصباح , ضوء سيارة , ضوء شمعة , الخ ) سيصيب المرء بالانبهار لوقت قصير . بل أن خروج المرء من مكان مضاء إلى مكان مظلم يجعله غير قادر على رؤية الأشياء بوضوح لفترة قصيرة , وذلك لأن العين تتأخر قليلا في التأقلم مع الظلام بعد تعودها على رؤية النور. أي تتأخر حدقة العين في الاتساع بعد الضيق لكي تتمكن من الرؤية في الظلام . فلماذا إذن يذكر القرآن الكريم سنا ( أي ضوء ) البرق بالتحديد - والبرق فقط - بأنه يكاد يذهب بالأبصار؟!
وهل هذا هو التفسير الملائم لقوله : ((يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار )) ؟ وهل هذه المطابقة العادية في الحدقة , والتي نلحظها عند القطط مثلاً , تعني أن الإنسان يكاد أن يذهب بصره؟
2- ماذا لو حدث البرق في النهار ؟ أم أن البرق لا يحدث إلا ليلاً !! وما قيمة ضوء البرق في النهار ؟!
3- إذا لم يكن المرء ينظر إلى البرق بصورة مباشرة , فماذا يحدث معه في مطلق الأحوال ؟ إنه في الحقيقة لا يحتاج حتى إلى إعادة مطابقة الحدقة.
4- إن لمعان البرق يستغرق جزءاً واحدا من عشرة من الثانية , وبذلك فإن العين لا تكاد تراه حتى ينطفئ فجأة . وهو لا يستطيع التأثير على العين في هذا الزمن القصير جداً , حتى لو كان ضوءه أقوى من ضوء الشمس . فما بالك وضوءه أضعف من ضوء الشمس, في واقع الأمر ؟
ويقول الكاتب : (وماء المطر عذب فرات ) .وهذا صحيح إلى حد ما , ولكننا نريد هنا أن نبين الفرق بين الماء العذب الصالح للشرب وبين الماء المقطر . فالماء العذب الصالح للشرب هو الذي لا تزيد نسبة الأملاح فيه عن عشر نسبتها في ماء البحر . والماء الذي يتبخر من البحار بدون انقطاع هو الماء المقطر , والماء المقطر هو الماء الخالي تماماً من أية أملاح أو شوائب , ولذلك فهو غير صالح للشرب إلا إذا أضيفت إليه بعض الأملاح . فالماء المقطر هو أقوى مذيب بين جميع السوائل على الإطلاق . ولكنه ينحل فيه غاز ثاني أوكسيد الكربون ويتعلق به بعض الغبار أثناء هطوله من الغيوم , بالإضافة إلى نويات التكاثف التي تتكون حولها قطيرات الماء عند تشكل الأمطار في الغيوم ( كالغبار , ونواتج احتراق الشهب في الهواء , والرماد البركاني المتصاعد من البراكين النشطة , وغبار الطلع , والأملاح المتخلفة عن رذاذ البحار , وذرات الكربون غير المحترق والتي تتصاعد من الحرائق على الأرض , إلخ . ) وعند سقوط الأمطار على الأرض فإنها تذيب بعض الأملاح الموجودة على سطحها أو في أعماقها . والناتج النهائي هو الماء العذب ( الفرات ) الصالح للشرب والذي لا تزيد نسبة الأملاح فيه عن عشر نسبتها في ماء البحر . ولهذا فإن محطات التحلية ( الإعذاب ) الموجودة في بعض دول الخليج تضيف إلى الماء المقطر الذي تحصل عليه من إعذاب ماء البحر قليلا من ماء البحر المالح لكي يصبح صالحا للشرب .
أما ما تكتسحه الرياح من رذاذ ماء البحر , والذي يجف في الهواء مخلفاً الأملاح الذائبة فيه لتصبح هذه الأملاح أحد أشكال نويات التكاثف التي تتجمع حولها قطيرات الماء في الغيوم مشكلة قطرات الأمطار التي تهطل من تلك الغيوم , فهو الرذاذ المتطاير من الرشاش الناجم عن اصطدام الأمواج بشواطئ القارات والجزر , والذي تحمل الرياح جزءاً يسيراً منه كما شرحنا أعلاه . والأملاح المتبقية في الهواء بعد جفاف هذا الرذاذ تشكل جزءاً طفيفا للغاية , لا يستحق الذكر , من كمية الأملاح في البحار . فحجم الأملاح الموجودة في مياه البحار يعادل حجم قارة أفريقيا . ولا أدل على ذلك من حقيقة كون مياه الأمطار على درجة من النقاء تقارب درجة نقاء الماء المقطر . وهذه العملية تختلف تماما عن عملية التبخر المباشرة , المعتمدة على طاقة الشمس , والتي تحدث بصورة لا تنقطع من سطوح مياه البحار . وعملية التبخر هذه تستهلك حوالي واحد بالألف من كمية مياه البحار في العام الواحد , ولكن أكثر من سبعين بالمئة منها تعود مباشرة إلى البحار عن طريق هطول الأمطار عليها , والقسم الباقي يذهب إلى اليابسة حيث يسقط عليها على شكل أمطار وثلوج , وتعود هذه المياه من اليابسة إلى البحار من جديد عن طريق السيول والأنهار والجبال الجليدية المتدفقة إليها .
إذن فهذه العملية العملاقة التي تتعامل مع مئات الآلاف من الكيلومترات المكعبة من المياه لا تقارن أبدا ولا بأي شكل من الأشكال , بما تحمله الرياح من كميات طفيفة للغاية من رذاذ البحر المالح إلى أعالي الجو .
ويقول الكاتب بأن هطول البرد قد أحدث في عامي 1928 و1970 أضراراً في الولايات المتحدة الأمريكية تقدر بمبلغ 300 مليون دولار .
يا للهول !!!
إننا نود أن نلفت نظر الكاتب الكريم بأن مساحة الولايات المتحدة تعادل مساحة أوروبا بكاملها , من جبال الأورال شرقا وحتى شواطئ البرتغال على المحيط الأطلسي , ومن ميناء مورمانسك الروسي على البحر المتجمد الشمالي وحتى جنوب صقلية في البحر المتوسط . فليس غريباً أن يحدث هطول للبرد مرتين على مدى ثمانين عاماً يؤدي إلى خسارة معينة في المزروعات .
ومن جهة أخرى , إذا اعتبرنا المطر رحمة ( وهو رحمة بالفعل ) فهو مع ذلك يؤدي إلى فيضانات في الولايات المتحدة , تحدث دوريا كل ثلاث سنوات , وتنجم عنها خسائر تقدر بمليارات الدولارات في كل مرة , بالإضافة إلى الخسائر في الأنفس , وتشريد الآلاف من منازلهم . إذن هل يعتبر المطر أشد ضرراً أم البرد ؟
وإن حوادث المرور في الولايات المتحدة تؤدي إلى قتل حوالي 20 ألف إنسان سنويا مع عشرات آلاف المصابين, بالإضافة إلى خسائر مادية تقدر بمليارات الدولارات . فهل تعتبر السيارة نعمة أم نقمة ؟ ولماذا نعتبر البرد نقمة ومنافعه في الغالب أكبر من مضاره , كالمطر سواء بسواء وكالسيارة سواء بسواء, ولكن مضاره في كل الأحوال أقل بكثير من مضار المطر أو مضار السيارة ؟
ولقد ذكرنا في مقالنا الرئيسي أنه إذا اعتبرنا المطر نعمة , فلا يجوز أن نعتبر البرد عذابا , لقلة أضراره وندرة حدوثها , ولمحدودية المساحة التي يصيبها , ولأنه لا يؤذي فعلا إلا وقت التزهير وانعقاد الثمر . وهو لا يقتل أحداً .
وإذا قسنا أضرار البرد التي حدثت مرتين في الولايات المتحدة على مدى ثمانين عاماً , وقارنا مساحة سوريا بمساحة الولايات المتحدة , وعدد سكان سوريا بعدد سكان الولايات المتحدة , ودخل الفرد في سوريا بدخل الفرد في الولايات المتحدة , فسنخلص إلى النتيجة التالية :
إن خسارة الولايات المتحدة من هطول البرد على مدى ثمانين عاماً تعادل خسارة سوريا سيارتين شاحنتين من نوع كيا على مدى ثمانين عاماً .
فيا للهول , مرة أخرى!!
ويقول الكاتب أخيرا : (( فبالرغم من أن ما صعدت به الرياح وكونت به السحب إنما هو ماء مالح من البحار والمحيطات , فإن الله سبحانه هيأ الأسباب لإزالة ملوحته أثناء عملية البخر الطبيعي ! )) .
ونعتقد أن هذه الجملة بصيغتها هذه , هي غامضة ومضللة من الناحية العلمية . ولو صاغها الكاتب مثلا على الشكل التالي : ((فبالرغم من أن ما صعدت به الرياح وكونت به السحب كان في الأصل ماء مالحاً في البحار والمحيطات , فإن الله سبحانه هيأ الأسباب لإزالة ملوحته أثناء عملية البخر الطبيعي ! )) لاستقام المعنى بشكل جلي ولزال الالتباس الذي تحدثه جملة الكاتب الأصلية .
ربّ قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث , فاطر السماوات والأرض , أنت وليي في الدنيا والآخرة , توفني مسلما وألحقني بالصالحين .
والحمد لله رب العالمين .
وليد الأصفر
23-02-2009 قي الساعة 3:14 am
بالرغم من تقديري الكامل لمقالة الباحث السيد/ وليد الأصفر ولرده على التعليقات والذي كان بمثابة الشرح المكمل لمقالته …. ، الا انني أريد أن انوه - وهنا أريد أن أخرج قليلاً عن موضوع المقالة - لبعض الاخوة المعلقين أن استعمالهم لالقاب يصفون بها أنفسهم أو يعرفون بها عن هويتهم هو بمثابة الدعم الغير الصحيح أو الصحي لما جاء في تعليقهم أو ردهم على الموضوع ، ولأكون واضحاً وبعيداً عن التلميح …
أرفاق كلمة أستاذ أو شيخ أو ….. لأعرف عن شخصي هو أمر مغلوط ان لم يكن معيباً في حقي وفي حق اللقب الذي اطلقته على نفسي … فلنترك ذلك لمن يريد أن يصفنا أو يتحدث عنّا ….
وللأسف .. هذا أمر شائع في مجتمعنا، وذلك عن سوء فهم لكلمة استاذ أو دكتور أو حتى شيخ . فيا ليت شعري يعلمون عن من يستحق هذه الألقاب ….
ولأكتفي أني فلان بن فلان … وليكن التعريف عني بما أكتب أو أتحدث أو أعمل …
كل الشكر للقائمين على الموقع
23-02-2009 قي الساعة 8:51 am
بارك الله في جهدك بالتفكر والتدبر في معاني القرآن الكريم الصالح لكل زمان ومكان ،ونفعنا بعلمك الذي سخرته لخدمة القرآن فهكذا المسلم الحقّ دوماً ،لاينقطع عن ركب العلم ،ولايقيد نفسه بعقلية القرون الوسطى ،ويسعى جاهداً للاستفادة من آخر توصل اليه العلم الحديث لخدمة دينه ودنياه معاً.
23-02-2009 قي الساعة 1:02 pm
علينا أن نفتخر جميعاً بتلك العقول المسلمة الواعية التي ما زالت تبحث وتفكر في خلق الله عز وجل, والتي لم تبخل يوماً في نشر العلم والمعرفة السليمة لكل إنسان يهمه الأمر.